جيرار جهامي ، سميح دغيم
610
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
كونه امتدادا صرفا للماضي ، امتدادا ميتافيزيقيّا جامدا يعني - في نهاية الأمر - تماثل الحاضر والماضي تماثلا كاملا . ذلك على العكس من موضوعتنا القائمة على كون العلاقة بينهما هي علاقة تطوّر تاريخي يتشكّل محتواه من وحدة التقطّع بين التغيّرات الكمية والتغيّرات الكيفية في مجرى الحركة الدائمة للتاريخ . ويقوم - ثانيا - على الفرق بين أن تنتهي موضوعة « عصرنة » التراث إلى القول بأن « نأخذ عن الأقدمين وجهات النظر بعد تجريدها من مشكلاتهم الخاصة التي جعلوها موضع البحث . . . » و « أن ننظر إلى الأمور بمثل ما نظروا . أو قل بعبارة أخرى : أن نحتكم في حلولنا لمشكلاتنا إلى المعايير نفسها التي كانوا قد احتكموا إليها ، وبين أن تهدف موضوعتنا وفقا للمنهج المادي التاريخي ، إلى فهم « مشكلة الموقف من التراث » بأنها « مشكلة العلاقة بين الفكر في هذه البنية الاجتماعية الحاضرة والفكر السابق عليه في البنية الاجتماعية السابقة » . ( حسين مروّه ، النزعات المادية 2 ، 27 ، 13 ) . - التراث ظاهرة طبيعية مفيدة في تاريخ الإنسان ، ما دام هذا الأخير يستخدمه في صنع حياته وحلّ مشكلاته والتعبير عن مشاعره وتطلّعاته ، وتغذية خياله ، وفي تشكيل مستقبله . ولكنه ينقلب ظاهرة ضارّة ، إذا خرج عن منطق هذا الاستخدام وحال دون تقدّم الإنسان في معالجة المشكلات الحقيقة التي يواجهها في حاضره . ومن هنا ، يتبيّن أن الموقف الصحيح من التراث هو الموقف النقدي الذي يبيّن أن الإنسان هو الفاعل المالك للتراث ، وليس التراث هو الفاعل المالك للإنسان . وهذا الموقف لا يستقيم إلّا في إطار تصوّر فلسفي للتاريخ ، يكشف عن طبيعة الوجود الإنساني من حيث هو وجود تاريخي ، ويعيد بناء مقولات الفكر التاريخي حول مقولة الفعل . ولما كان الفعل أنواعا ، وكان لكل نوع تراث خاصّ به ، وفقا لنوع الفاعل الذي يتحدّد التراث بالنسبة إليه ، فإنه يصحّ أن نستنتج أن الإيديولوجية ليست هي المرجع الصالح لتقرير ما يتعلّق بفعل الفلسفة وتراثها . ( ناصيف نصّار ، التفكير والهجرة ، 334 ، 1 ) . - الدراسة العلمية للتراث ، يحاول الجيل الوارث أن يضع ما تركته له الأجيال السابقة تحت حكم العقل ، تمهيدا لوضعه تحت حكم إرادته . أي إنه يحاول ، عن طريق كتابة تواريخ علمية للمعارف والفنون والمذاهب والتقاليد والمؤسسات والأعمال البطولية وسواها مما يشتمل عليه التراث ، أن يحدّد مكانة التراث ووظيفته في سياق وضعيته التاريخية ونظام السلطات القائمة فيها . المعرفة العلمية للتراث جزء من المعرفة العقلية للتاريخ والطبيعة في وعي الجيل الحاضر من جماعة معيّنة بنفسه وبالعالم ؛ وهذه المعرفة ، من حيث هي نتاج سلطة أصلية في المجتمع ، تحيل بالضرورة إلى مجموعة السلطات الفاعلة في المجتمع ، وفي طليعتها السلطة السياسية . وفي ضوء هذا كله ، يتقرّر ما يتميّز به التراث من وصف موضوعي ووظيفي ، فيقال عنه إنه عبء أو كابح أو جذّاب أو حافز أو مفيد أو دافع